السيد نعمة الله الجزائري

159

نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية

ومنها ما رواه جابر قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم إن العبد يدعو اللّه وهو يجيبه فيقول لجبرئيل اقض لعبدي هذا حاجته وأخّرها فإني أحب ألا أزال أسمع صوته ، وفي دعاء موسى وهارون على فرعون فقال تعالى قد استجيبت دعوتكما وما ظهرت الإجابة إلا بعد أربعين سنة . ومنها ارتكابه للذنوب فإنه من أسباب تأخير الإجابة ، وقد بقي في هذا المقام تحقيقات غريبة ذكرناها في شرحنا الكبير . « فعدّت عليه » من العائدة بمعنى الفضل والإحسان لا من العود . « فرط » سبق وتقدم . « مشفق » خائف ، واعلم أن التفكر في الذنب والخوف من درجات المقربين ، نعم قد وقع الخلاف بين المحققين في أن أي الرجلين أفضل أمن نسي الذنب ولم يشتغل بالتفكر فيه أم من جعله نصب عينيه ولا يزال يتفكر فيه ويحترق عليه ، وقد حقّق بعض أهل العرفان وفصّل بأن الحزن والخوف من الذنب كمال في حق المبتدي من المريد لأنه إذا نسيه لم يكثر احتراقه فلا يقوي إرادته لسلوك الطريق ، ولأنه يستخرج منه الخوف والحزن ، فهو بالإضافة إلى الغافل كمال وبالإضافة إلى سالك الطريق نقصان لأنه يشغله عن سلوك الطريق ، وأما بكاء داود ونياحته وكذلك بكاء السجاد عليه السّلام وإظهاره الخوف من الذنب ، فسببه أنهم عليهم السّلام ينزلون أنفسهم في أقوالهم وأفعالهم إلى الدرجات اللائقة بأمتهم فإنهم بعثوا لإرشادهم ، فعليهم التلبس بما تنتفع أمتهم بمشاهدته ، وإن كان نازلا عن ذروة مقامهم لأن الأنبياء والأئمة عليهم السّلام في الشفقة على الأمة كالآباء بالنسبة إلى الأطفال ألا ترى أن الأب إذا أراد أن يستنطق الصبي كيف ينزل إلى درجة نطق الصبي ، كما قال النبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم كخ كخ للحسين عليه السّلام لما أخذ تمرة من الصدقة ووضعها في فيه ، وكذلك الحيوانات يصوت لها بأصوات تليق بها وتفهمها ، انتهى ملخصا . والحق عندي غير هذا وذلك أن من تتبع أحوال آدم ومدة أيام بكائه وكذا أحوال داود وعلي بن الحسين عليهم السّلام يعلم علما جازما بأنه ما كان المطلب تعليم الأمة بل إنما صدر من نار خوف كامنة في الصدور فغلت وظهرت كغليان القدور ، وتمام تحقيق هذا المقام مذكور في هذا الكتاب .